السيد محمد حسين الطهراني

58

معرفة المعاد

السجن : يَا صَاحِبَيِ الْسِّجْنِ ءَأرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ . « 1 » حتّى الطعام الذي يتناوله الإنسان ، والملعقة التي يرفعها يراهما مؤثّرين مقابل الله سبحانه وتعالى ، يشتري فيراه مؤثّراً ، ويبيع فيراه مؤثّراً ، وينام فيراه مؤثّراً ، حتّى أنه يتناول الإبريق في دورة المياه فيرى الإبريق مؤثّراً مقابل الله تعالى ، فضلًا عن سائر الأعمال المهمّة الأخرى ، وإذا صلّى ورأى نفسه موجوداً مستقلّا واقفاً للعبادة في ساحة عظمة الله ، فإنّه يكون قد غرس بذرة أنّيّة النفس . فممارساته هذه جميعاً شرك ، لأن النظر الاستقلاليّ إلى الموجودات مهما كان واي فعل كان ، شركٌ بدون استثناء . وتلك الأمور تمثّل بأجمعها وجه الخلق ، وينبغي لها أن تزول فيبقى وجه الله لا سواه . مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللهِ بَاقٍ . « 2 » وإذا ما استطاع الإنسان القضاء على هذا النظر الاستقلاليّ في هذه الدنيا بقوّة التقوى والتوكّل والاستقامة في طيّ طريق الإخلاص ، فستكون قيامته قد قامت ؛ وإلّا فإنّ تلك الجهة للوجه الإلهيّ ستطلع ، فتدمغ هذا العالم كلّه بختم البُطلان ، وسيرى الإنسان آنذاك هذا العالم - في عين انعدامه بنفسه - موجوداً بالله تعالى ، وستكون الشمس والقمر والكواكب من الثوابت والسيّارات معدومة في عين وجودها ، وموجودة في عين انعدامها . إن غير الموحّدين لا يرون وجود تلك الأشياء ، بل يرون عدمها في هيئة الوجود . أمّا الموحّدون فلا يرون عدمها ، بل يرون وجودها المجرّد قائماً بالحقّ .

--> ( 1 ) - الآية 39 ، من السورة 12 : يوسف . ( 2 ) - صدر الآية 96 ، من السورة 16 : النحل .